محمد حسين الحسيني الجلالي

181

لباب النقول في موافقات جامع الأصول

جَمَع اللَّه بينهم وبين عَدُوِّهِمْ على غير ميعادٍ ، ولقد شهدتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة ، حين تواثَقْنا على الإسلام ، وما أُحِبُّ أنْ لي بها مشهدَ بدر ، وإن كانت بدرٌ أذكر في الناس منها . وكان من خبري - حين تخلَّفتُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك - أنّي لم أكن قطّ أقوَى ولا أيسر منّي حين تخلَّفتُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الغزوة ، واللَّه ما جمعت قبلها راحلتين قطّ ، حتى جمعتُهُما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يريد غزوةً إلَّا ورَّى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في حرّ شديد ، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً ، واستقبل عدوّاً كبيراً ، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غزوهم ، وأخبرهم بوجْهِهم الذي يريدُ ، والمسلمون مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كثير ، لا يجمعهم كتابُ حافظٍ - يريد بذلك الدِّيوان - قال كعبٌ : فقَلَّ رجلٌ يريد أن يتغَيَّب ، إلّاظنّ أنّ ذلك سيخفى مالم ينزل فيه وحيٌ من اللَّه عزّ وجلّ ، وغزا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمارُ والظَّلال ، فأنا إليها أصعر ، فتهجَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه ، فطفِقت أغدو لكي أتجهّز معهم ، فأرجعُ ولم أقضِ شيئاً ، وأقول في نفسي : أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ ، فلم يزل ذلك يتمادى بي ، حتى استمرَّ بالناس الجِدّ ، فأصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم غادياً ، والمسلمون معه ، ولم أقضِ من جِهازي شيئاً ، ثمَّ غَدَوْتُ ، فرجعتُ ، ولم أقضِ شيئاً . فلم يزل ذلك يتمادى حتى أسرعوا ، وتفارطَ الغزو ، فهممتُ أن أرتحِلَ فأدركهم ، فياليتني فعلت ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي ، فطفِقْتُ إذا خرجتُ في النَّاس - بعد خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم - يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلّارجلًا مغموصاً عليه في النِّفاق ، أو رجلًا ممّن عذَر اللَّه من الضعفاء ، ولم يذكرني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتّى بلغ تبوكاً ، فقال - وهو جالس في القوم بتبوك - : ما فعل كعبُ بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللَّه ، حَبَسَهُ بُرداهُ ، والنّظرُ في عِطْفَيْهِ ، فقال له معاذ بن جَبَل : بئسَما قُلْتَ ، واللَّه يا رسول اللَّه ، ما علمنا عليه إلّا خيراً ، فسكتَ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فبَيْنَا هو على ذلك رأى رجلًا مبيِّضاً ، يزول به السَّرابُ ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : كُنْ أبا خيثَمَةَ ، فإذا هو أبو خيثَمَة الأنصاري ، وهو الذي تصدَّقَ بصاعِ التَمْرِ حين لمزه المنافقون .